ابن خلدون

352

تاريخ ابن خلدون

كما يذكر واتصلت ممالك الأمير أبى العباس في بلاد الجريد وثاور أبو بكر بن بهلول توزر مرارا تفلت في كلها من الهلكة إلى أن مات ببسكرة سنة سبع وأربعين قبيل مهلك الناس كما يذكر وأقام أبو العباس بمحل امارته ولم يزل يمهد الأحوال ويستنزل الثوار وكان أبو مكي قد امتنع عليه بقابس وكان من خبره انه لما رجع عبد الملك من تونس مع عبد الواحد بن اللحياني الذي كان حاجبا له وذهب ابن اللحياني إلى المغرب وأقام هو بقابس ثم استراب بمكان أمره مع السلطان حين ذهب ملك آل زيان فأوفد أخاه أحمد بن مكي على السلطان أبى الحسن متنصلا من ذنوبه متذمما بشفاعته منه إلى السلطان أبى بكر فشفع له وأعاده السلطان إلى مكان رياسته واستقام هو على الطاعة ونكب عن سنن العصيان والفتنة وكان لأحمد بن مكي حظ من المال والأدوات ونفس مشغوفة بالرياسة والشرف وكان يقرض الشعر فكان يجيد ويرسل فيحسن وكان خط كتابته أنيقا ينحو به منحى الخط الشرقي شأن أهل الجريد فيمتع ما شاء فكانت لذلك كله في نفس الأمير أبى العباس صاغية إليه وكان هو مستريبا بالمخالطة لما شاء من آثاره السالفة ولم يزل الأمير أبو العباس يفتل له في الذروة والغارب إلى أن جلبه إلى مجلس السيدة أمه الواحدة أخت مولانا السلطان قافلة من حجها فمسح ما كان بصدره وأحكم له عقد مخالصته واصطنعه لنفسه فحل من امارته بمكان غبطة واعتزاز وعقد له السلطان على جزيرة جربة واستضافها إلى عمله وأنزل عنها مخلوف بن الكماد من صنائعه كان افتتحها سنة ثمان وثمانين وعقد له السلطان عليها فنزلها أحمد بن مكي واستقل عبد الملك أخوه برياسة قابس فقاما على ذلك وجردا عزائمهما في ولاية أبى العباس صاحب أعمال الجريد فلم يزالوا كذلك إلى أن كان من أمر الجميع ما نذكر إن شاء الله تعالى * ( الخبر عن مهلك الوزير أبى العباس بن تافراكين ) * كان السلطان أبو بكر عند نكبة القائد بن الحكيم استعمل على حجابته شيخ الموحدين أبا محمد بن تافراكين كما ذكرناه وفوض إليه فيما وراء بابه وعقد على الوزارة لأخيه أبى العباس أحمد وكان أبو محمد جليس الباب لمكان الحجابة فرفع إلى الحرب وفود العساكر وامارة الضاحية أخاه أبا العباس فقام بما دفع إليه من ذلك وكان بنو سليم بعد مهلك حمزة بن عمر نقموا ما كان عليه من الاذعان وسموا إلى الخلاف والعناد فكان من أنباء حمزة في ذلك من الاجلاب على الحضرة ما ذكرناه وكان سحيم بن من أولاد القوس بن حكيم بينه وبينهم غدر وخلاف وعناد وكان السلطان قد ولى على حجابة ابنه الأمير أبى العباس في أعمال الجريد أبا القاسم بن عتو من مشيخة